فصل: تفسير الآية رقم (14)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


سورة سبأ

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏1‏)‏ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض‏}‏ الأَلِفُ واللام في ‏{‏الحمد‏}‏‏:‏ لاستغراق جنس المحامد، أي‏:‏ الحَمْد على تَنَوُّعِهِ هُو لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جميع جهات الفكرة، ‏{‏وَيَلِجُ‏}‏ معناه‏:‏ يدخل، و‏{‏يَعْرُجُ‏}‏ معناه‏:‏ يَصْعَدُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 11‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏3‏)‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏4‏)‏ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏5‏)‏ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏6‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏7‏)‏ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ‏(‏9‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ‏(‏10‏)‏ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة‏}‏ رُوِيَ‏:‏ أَنَّ قائلَ هذه المقالة هُو أَبُو سفيانَ بنِ حَرْبٍ، والَّلامُ من قوله‏:‏ ‏{‏لِّيَجْزِيَ‏}‏ يَصِحُّ أَنْ تكونَ متعلقةً بقوله‏:‏ ‏{‏لَتَأْتِيَنَّكُمْ‏}‏ و‏{‏الذين‏}‏ مَعْطُوفٌ عَلَى ‏{‏الذين‏}‏ الأولى، أي‏:‏ ولِيَجْزَي الَّذِينَ سَعَوْا و‏{‏معاجزين‏}‏ معناه‏:‏ مُحَاوِلِينَ تَعْجِيزَ قدرةِ اللّهِ فِيهمْ، ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى بَأَنَّ الذِينَ أُوتُوا العِلمَ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّل عَلَى مُحَمَّدٍ عليه السلام حَقاً، وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ قِيلَ‏:‏ هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ‏:‏ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، ثُمَّ حَكَى اللّهُ تَعَالَى عَنْ الكُفَّارِ مَقَالَتَهُمْ الَّتِي قَالُوهَا عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ وَالهُزْءِ وَاسْتِبْعَادِ البَعْثِ، هل نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ؛ يَعْنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏يُنَبئُكُمْ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏}‏ بِالبِلَى وَتَقَطُّعِ الأَوْصَالِ فِي القُبُورِ وَغَيْرِهَا و‏{‏جَدِيدٍ‏}‏ بمعنى مُجَدَّدِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏أفترى عَلَى الله كَذِباً‏}‏ هُوَ أَيْضاً مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ فَقَالَ‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة فِي العذاب‏}‏‏:‏ يُريدُ عَذَابَ الآخرةِ؛ لأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إلَيْه، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ عَذَابَ الدنيا أَيضاً، والضَّمِيرُ فِي قوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ لهؤلاء الذين لا يؤمِنُونَ بالآخرةِ وَقَفَهُمْ اللّه على قدرتِه، وخَوَّفَهُم من إحاطَتِهَا بهِمْ، والمعنى‏:‏ أليسَ يَرونَ أمامَهم وَوَرَاءَهُم سَمَائِي وَأَرْضِي، وَبَاقِي الآيةِ بَيِّنٌ، ثم ذكَر اللّه تَعَالَى نعمتَه عَلى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ احتجَاجاً عَلى مَا مَنَحَ مُحَمَّداً، و‏{‏أَوِّبِي‏}‏ مَعنَاه‏:‏ رَجِّعي معه، قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُ‏:‏ معناه‏:‏ يا جبالُ سَبِّحِي مَعَه، أي‏:‏ يُسَبِّحُ هُوَ وتُرَجِّع هِيَ معه التسبيحَ، أي‏:‏ تُرَدِّدُهُ بالذكر‏.‏

وقال مؤرخ‏:‏ ‏{‏أَوِّبِي‏}‏ سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشةِ، وقَرَأَ عَاصِمُ‏:‏ «والطيرُ» بالرفع عَطْفاً عَلى لفظِ قوله‏:‏ «يا جبال» وَقَرَأَ نَافِعُ وَابْنُ كَثِيرٍ‏:‏ «والطيرَ» بِالنَّصَبِ‏.‏

قَالَ سَيبَوَيْهِ‏:‏ عَطَفَ عَلَى مَوْضِع قَوْلِهِ‏:‏ «يا جبال» لأَنَّ مَوْضِعَ المنادَى المفردِ نصبٌ، وقيل‏:‏ نَصْبُها بإضمار فِعْلٍ تقديرُه وسخَّرْنَا الطَّيْرَ، ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ مَعْنَاه‏:‏ جَعَلْنَاهُ لَيِّناً، ورَوَى قَتَادَةُ وَغَيْرِه‏:‏ أَنَّ الْحَدِيدَ كَانَ لَهُ كَالشَّمْعِ؛ لاَ يَحْتَاجُ فِي عَمَلِهِ إلَى نَارٍ، و«السابغات»‏:‏ الدُّرُوعُ الكَاسِيَاتِ ذَوَاتُ الفُضُولِ‏.‏

وَقَوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدِّرْ فِي السرد‏}‏ قَالَ ابنُ زَيْدٍ‏:‏ الذي أَمَرَ بهِ هُوَ فِي قدر الحَلْقَة، أي‏:‏ لا تَعْمَلْهَا صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ؛ فَلا يَقْوَى الدِّرْعُ عَلى الدِّفَاعِ، وَلاَ تَعْمَلْهَا كَبِيرَةً، فَيُنَالَ لاَبِسُهَا مِنَ خِلاَلِهَا‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ التقديرُ‏:‏ الَّذِي أَمَر بهِ هُو فِي المِسْمَارِ، وذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي «صحيحهِ» ذَلِكَ؛ فَقَالَ‏:‏ المَعْنَى‏:‏ لاَ تَدِقَّ المِسْمَارَ فَيَتَسَلَّلَ وَلاَ تُغْلِظَهُ فَيَنْقَصِمَ بالقافِ وبالفاء أيضاً رواية‏.‏

* ت *‏:‏ قال الهُرَوِيُّ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدِّرْ فِي السرد‏}‏ «السرد» مُتَابَعَةُ حَلَقِ الدِّرْعِ شَيْئاً بعد شيء حتى يتناسقَ، يقالُ‏:‏ فُلاَنٌ يَسْرِدُ الحَدِيثَ سَرْداً، أي‏:‏ يُتَابِعُه‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏12‏)‏ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‏(‏13‏)‏‏}‏

وَقَوْلُه تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ المَعْنَى‏:‏ ولسليمانَ سخَّرْنَا الريح، و‏{‏غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ‏}‏‏.‏

قال قتادة‏:‏ معناه‏:‏ إنها كانت تُقْطَعُ بِه فِي الغُدُوِّ إلَى قُرْبِ الزَّوَالِ؛ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَتَقْطَعُ فِي الرَّوَاحِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، مسيرةَ شَهْرٍ وَكَانَ سليمانُ إذَا أرادَ قَوْماً لَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى يُظِلَّهم في جَوِّ السَّمَاءِ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر‏}‏‏:‏

قَال ابن عباس، وغيره‏:‏ كانتْ تَسِيلُ لَهُ باليَمَنِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ مِنْ نُحَاسٍ؛ يُصْنَعُ لَهْ مِنْها جَمِيعُ مَا أَحَبَّ، و‏{‏القطر‏}‏‏:‏ النُّحَاس، و‏{‏يَزِغْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يَمِلْ، أي‏:‏ يَنْحَرِفُ عاصياً، وقال‏:‏ ‏{‏عَنْ أَمْرِنَا‏}‏ ولم يقل‏:‏ «عن أرادتنا» لأَنَّهُ لاَ يَقَعُ في العالِم شَيءٌ يخالفُ إرَادتَهُ سُبْحَانه تعالى ويقعُ ما يخالفُ الأَمر، وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ عَذَابِ السعير‏}‏ قيل‏:‏ عذابُ الآخرة‏.‏

وقيل‏:‏ بَلْ كَانَ قَدْ وُكِّلَ بهِنْ مَلكٌ بيدِه سَوْطٌ مِن نَارٍ السَّعِيرِ؛ فَمَنْ عَصَى ضَرَبَهُ فَأَحْرَقَهُ، و«الْمَحَارِيبُ»‏:‏ الأَبْنِيَةُ العَالِيَةُ الشَّرِيفَةُ، قَالَ قَتَادَةُ‏:‏ القصورُ والمسَاجِدُ والتَّمَاثِيلُ، قِيلَ‏:‏ كَانَتْ مِن زُجَاجٍ وَنُحَاسٍ تَمَاثِيلُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِحَيَوانٍ، «والجوابي»‏:‏ جَمْعُ جَابِيةٍ وَهِي البِرْكَةُ التي يُجْبَى إلَيْهَا الماءُ و‏{‏راسيات‏}‏ مَعْنَاه‏:‏ ثابتاتُ لِكِبَرهَا، ليستْ مِمَّا يُنْقَلُ أو يُحْمَل ولا يَسْتَطِيعُ عَلَى عَمَلِهِ إلاَّ الجنُّ، ثُمَّ أُمرُوا مَعَ هذهِ النعمِ بأَنْ يَعْمَلُوا بالطَّاعَاتِ، و‏{‏شُكْراً‏}‏ يُحْتَمَلُ نَصْبُه عَلى الحَالِ، أوْ عَلَى جِهَةِ المَفْعُولِ، أي‏:‏ اعملوا عَمَلاً هو الشكرُ كَأَنَّ العِبَادَاتِ كُلَّها هِي نَفْسُ الشُّكْرِ، وفي الحديث‏:‏ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَعَدَ المنبرَ فَتَلا هذه الآيةَ، ثم قال‏:‏ ‏"‏ ثَلاثٌ من أُوتِيهِنَّ فَقَدْ أُوتِي العَمَلَ شُكْراً‏:‏ العدلُ في الرضَا والغَضَبِ، والقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وخَشْيَةُ اللّهِ فِي السِّرِّ والعَلانِيَة ‏"‏، وَهَكَذَا نَقَلَ ابنُ العَرَبِيِّ هَذَا الحَدِيثَ فِي «أحْكَامِهِ» وَعِبَارَةُ الدَّاوُوديِّ‏:‏ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ‏:‏ ‏{‏اعملوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً‏}‏، وَقَالَ‏:‏ ‏"‏ ثَلاَثٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ‏:‏ العَدْلُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرُ والغنى، وذِكْرُ اللّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ ‏"‏ قَال القُرْطُبِي الشُّكْرُ تَقْوَى اللّهِ وَالعَمَلُ بِطَاعَتِهِ انتهى‏.‏

قالَ ثابتٌ‏:‏ رُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ قَدْ جَزَّأَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ؛ إلاَّ وَإنْسَانٌ مِنْ آل دَاودَ قَائِمٌ يُصَلِّي؛ يَتَنَاوَبُونَ دَائِماً، وَكانَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلاَم فيما رُوِيَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيُطْعِمُ أَهْلَه الخُشْكَارَ، ويُطْعِمُ المسَاكِينَ الدَّرْمَكَ، وَرُوِيَ أَنَّه مَا شبِعَ قَطٍّ، فقيلَ له في ذلك؛ فقال‏:‏ أخَافُ إنْ شَبِعْتُ أَنْ أنْسَى الجِياعَ‏.‏

وقَولُه تَعَالى‏:‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشكور‏}‏ يُحْتَمَلُ‏:‏ أنْ تَكونَ مخَاطَبَةً لآلِ دَاوُدَ، ويحتمل‏:‏ أنْ تكونَ مخاطبةً لنبيِّنَا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى كُلٍّ وَجْهٍ؛ فَفِيهَا تَحْرِيضٌ وَتَنْبِيهٌ، قال ابنُ عَطَاءِ اللّهِ فِي «الحِكَم»‏:‏ مَنْ لَمْ يَشْكُر النعمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِها، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها‏.‏

وقَالَ صَاحِبُ «الكَلِمِ الفَارِقية»‏:‏ لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ الصَّنَائِعِ؛ وَسُرْعَةِ استرجاع الوَدَائِعِ، وَقَالَ أيْضاً‏:‏ يَا مَيِّتاً نُشِرَ مِنْ قَبْرِ العَدَمْ، بحُكْمِ الجُودِ والكَرَمِ، لاَ تَنْسَ سَوَالِفَ العُهُودِ والذِّمَمِ، اذكُرْ عَهْدَ الإيجَادِ، وَذِمَّةَ الإحْسَانِ والإرْفَادِ، وَحَالَ الإصْدَارِ والإيرَادِ، وفاتحة المَبْدَإِ وَخَاتِمَةَ المَعَادِ، وَقَالَ‏:‏ رحمه اللّه‏:‏ يَا دَائِمَ الغَفْلَةِ عَنْ عَظَمَةِ رَبِّه، أيْن النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِه، والتَّفَكُّرُ فِي غَرَائِبِ حِكْمَتِهِ، أيْنَ شُكْرُ مَا أَفَاضَ عَلَيْكَ مِنْ مَلاَبِسِ إحْسَانِه ونِعَمِهِ، يَا ذَا الفِطْنَةِ، اغْتَنِمْ نِعْمَةَ المُهْلَة، وَفُرْصَةَ المُكْنَةِ، وَخِلْسَةَ السَّلاَمَةِ، قَبْلَ حُلُولِ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقَوْلُه تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ‏.‏ رُوِيَ عَن ابن عبَّاسٍ وَابنِ مَسْعُودٍ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ كَلاَمٌ طَوِيلٌ، حَاصِلُه‏:‏ أنَّ سُلَيمَانَ عليه السلامُ لَمَّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلهِ؛ اجْتَهَدَ عليه السلامُ وجَدَّ فِي العِبَادَةِ؛ وَجَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ له إلاَّ مُدَّةٌ يَسِيرَة‏.‏

قَالَ الثَّعْلَبِيّ‏:‏ وَقَالَ سُلَيْمَانُ عند ذلك‏:‏ اللَّهُمَّ، عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي؛ حتى يعلم الإِنْسُ أَنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ وكَانَتِ الجِنُّ تُخْبِرُ الإِنْسَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِن الغَيْبِ أَشياءَ، وأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا فِي غَدٍ، وَلَمَّا أَعْلَمَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِقُرْبِ الأَجَلِ؛ أَمَرَ حِينَئِذٍ الْجِنَّ، فَصَنَعَتْ لَهُ قُبَّةً مِنْ زُجَاجٍ تَشِفُّ؛ وَدَخَلَ فِيهَا يَتَعَبَّدُ؛ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا بَاباً، وَتَوَكَّأَ على عَصَاهُ عَلَى وَضْعٍ يَتَمَاسَكُ مَعَهُ‏.‏ وَإنْ مَاتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ على تِلْكَ الحَالَةِ، فَلَمَّا مضى لِمَوْتِهِ سَنَةً، خَرَّ عَنْ عَصَاهُ، وَالْعَصَا قَدْ أَكَلَتْهَا الأَرْضَةُ؛ وَهِيَ الدُّودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ؛ فَرَأَتِ الجِنُّ انخراره فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ؛ «والمِنْسَأَة»‏:‏ العَصَا، وَقَرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ بِإسْنَادِ الفعلِ إلَيْها، أي‏:‏ بَانَ أَمْرُهَا، كَأَنَّهُ قال‏:‏ افْتُضِحَتِ الجِنّ، أي‏:‏ للإِنْسِ، هذا تَأَوِيلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَولُه‏:‏ ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ بِمَعْنَى‏:‏ عَلِمَتِ الجِنُّ وَتَحَقَّقَتْ، وَيُرِيدُ بِالجِنِّ‏:‏ جُمْهُورَهُمْ؛ والخَدَمَةَ مِنْهُمْ، ويُرِيدُ بالضَّمِيرِ فِي ‏{‏كَانُوا‏}‏‏:‏ رُؤَسَاءَهُمْ وَكِبَارَهُمْ لأَنَّهُمْ هُمُ الذينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لأَتْبَاعِهِم من الجِنِّ والإنسِ‏.‏

وَقَرَأَ يَعْقُوبُ‏:‏ «تبينت الجن» عَلَى بِنَاءِ الفعلِ للمَفْعُولِ، أي‏:‏ تبيَّنَهَا الناسُ، و‏{‏العذاب المهين‏}‏‏:‏ ما هم فيه من الخِدْمَةِ والتَسْخِيرِ وغير ذلك، والمعنى‏:‏ أنَّ الجِنَّ لَوْ كَانَتْ تَعْلَم الغَيْبَ لَمَا خَفِي عَلَيْهَا مَوْتُ سُلَيْمَانَ؛ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهَا بِدَوَامِها فِي الخِدْمَةِ الصَّعْبَةِ، وَهُوَ مَيِّتٌ ف ‏{‏المهين‏}‏ المُذِلُّ، مِن الهَوَانِ، وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ‏:‏ أنَّ الشياطينَ قَالَتْ لِلأَرْضَةِ‏:‏ لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ، ولَكِنَّا سَنَنْقُلُ إلَيكِ الماءَ والطِّين؛ فَهُمْ يَنْقُلُونَ إلَيها ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ شُكْراً لَهَا انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ‏(‏15‏)‏ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ‏(‏16‏)‏ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقولُه تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، هذا مَثَلٌ لقريشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللّه عَليهمْ فَلَمْ يَشْكُروا؛ فَانْتَقَمَ مِنْهُم، أي‏:‏ فأنتم أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم، و«سبأ» هُنا يراد بهِ القَبِيلُ، واخْتُلِفَ‏:‏ لِمَ سُمِّي القَبِيلُ بِذلك فَقَالَت فِرْقَةٌ‏:‏ هُو اسْمُ امْرَأةٍ‏.‏

وقِيلَ‏:‏ اسْمُ مَوْضِعٍ سُمِّيَ بِهِ القَبِيلُ، وقَالَ الجُمْهُورُ‏:‏ هُوَ اسْمُ رَجُلٍ، هُو أَبُو القَبِيلُ، كُلِّه، وفِيهِ حَدِيثُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المتقدّمُ في «سُورة النَّمْلِ»؛ خَرَّجَهُ التِّرْمِذيُّ، و‏{‏ءَايَةٌ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ عِبْرَةٌ وَعَلاَمَةٌ عَلَى فَضْلِ اللّهِ وقُدْرَتِه، و‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏‏:‏ مبتدَأٌ وَخَبَرُه‏:‏ ‏{‏عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ‏}‏، أو خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره‏:‏ هي جنتان، وقيل‏:‏ ‏{‏جَنَّتَانِ‏}‏ بَدَلٌ مِن ‏{‏ءَايَةٌ‏}‏ وَضُعِّفَ، ورُوِي فِي قُصَصِهِمْ أَنَّهُ كَانَ فِي نَاحِيَةِ اليَمَنِ وَادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَكَانَتْ جَنَبَتَا الوادِي فَوَاكِهَ وزُرُوعاً، وكان قد بُنِيَ فِي رَأْسِ الوادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجَبَلَينِ؛ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ الجَبَلِ إلَى الجَبَلِ، فَاحْتَبَسَ الماءُ فِيهِ، وصَارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وَأُخِذَ المَاءُ من جَنَبَتَيْهَا فَمَشَى مُرْتَفِعاً يَسْقِى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَنَبتَي الوادِي، قِيلَ‏:‏ بَنَتْهُ بلقيس، وَقِيلَ بَنَاهُ حِمْيَرُ أَبُو القَبَائِلِ اليَمَانِيَّةِ كُلِّهَا، وكانُوا بهذهِ الحالِ فِي أرْغَدِ عَيْشِ، وَكَانَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قُرٍى ظَاهِرَةٌ مُتَّصِلَة من اليَمَنِ إلَى الشَّامِ، وَكَانُو أَرْبَابَ تِلْكَ البِلاَدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ‏.‏

* ت *‏:‏ وَقَوْلُ * ع *‏:‏ «وَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي رَأْسِ الوَادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجبلين» صوابُه‏:‏ وَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي أَسْفَلِ الوَادِي عِنْدَ آخِرِ الجَبَلَينِ، و‏{‏كُلُوا‏}‏‏:‏ فيه حذفٌ مَعْنَاهُ‏:‏ قيل لَهُم‏:‏ كُلُوا، و‏{‏طَيِّبَةٌ‏}‏ معناه‏:‏ كريمةُ التُّربةِ حَسَنةُ الهَواءِ، ورُوِيَ أَنَّ هذهِ المقَالة؛ مِن الأَمْرِ بالأَكْلِ وَالشُّكْرِ وَالتَّوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلْدَةِ وغُفْرَانِ الرَّبِّ مَعَ الإيمَانِ بِهِ؛ هي من قول الأَنْبِياء لَهُمْ، وبُعِثَ إليهم فِيمَا رُوِيَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَبِيّاً فَكَفَرُوا بِهِم وأَعْرَضُوا؛ فَبَعَثَ اللّهُ عَلى ذَلِكَ السَّدِّ جُرْذاً أَعْمَى؛ تَوالَدَ فِيه؛ وَخَرَقَهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ؛ فَانْخَرَقَ السَّدُّ وَفَاضَ المَاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَجَنَّاتِهم فَغَرَّقَها؛ وَأَهْلَكَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرَارُ، واخْتُلِفَ فِي ‏{‏العرم‏}‏‏.‏ فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَأَبُو مَيْسَرَةَ‏:‏ هُوَ كُلُّ مَا بُنِي أَوْ سُنِّمَ لِيُمْسِك المَاءَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيره‏:‏ ‏{‏العرم‏}‏‏:‏ اسْمُ وَادِي ذَلِكَ المَاءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ السَّدُّ بُنِي لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضاً ‏{‏العرم‏}‏ الشَّدِيدُ‏.‏

قَالَ * ع *‏:‏ فَكَأَنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ مِنْ العَرَامَةِ، وَالإضَافَةُ إلَى الصِّفَةِ مُبَالَغَةٌ؛ وَهِي كثيرةٌ فِي كَلام العَرَبِ، وقِيل‏:‏ ‏{‏العرم‏}‏‏:‏ صِفَةٌ للمَطَرِ الشديدِ الذي كانَ عَنْه ذَلِكَ السَّيْلُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبدلناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ‏}‏ فيه تَجُوُّزٌ واستعارة، وَذَلِكَ أَنَّ البَدَلُ- مِنَ الخَمْطِ والأَثْلِ- لَمْ يَكُنْ جَنَّاتٍ؛ لَكِنَّ هَذا كَمَا تَقُولُ لِمَنْ جَرَّدَ ثَوْباً جَيِّداً وَضَرَبَ ظَهْرَه‏:‏ هَذا الضَّرْبُ ثَوْبٌ صَالِحُ لَكَ؛ ونحو هذا، و«الخَمْطِ»‏:‏ شَجَرُ الأَرَاكِ، قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُه، وقِيلَ‏:‏ «الخَمْطُ»‏:‏ كُلُّ شَجَرِ لَهُ شَوْكٌ وَثَمْرَتَهُ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ بِمَرَارَةٍ أَو حُمُوضَةٍ أو نَحْوِه، وَمِنْه تَخَمَّطَ اللَّبَنُ إذَا تَغَيَّرَ طُعْمُه و«الأَثْلُ»‏:‏ ضَرْبٌ من الطَّرْفَاءِ، هذا هو الصَّحِيحُ، و«السدر»‏:‏ معروفٌ وهُو لَه نَبْقٌ شَبَهُ العُنَّابِ لكنَّه دُونَه في الطَّعْمِ بِكَثِير، وللخَمْطِ ثَمرٌ غَثُّ هُوَ البَرِيرُ، وللأَثْلِ ثَمْرٌ قَلِيلُ الغَنَاءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَّعْمِ، وقرأ نافع وابن كثير‏:‏ «أُكلٌ»‏:‏ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكَافِ، والبَاقُونَ‏:‏ بِضَمِّهِمَا وهُمَا بمعنى الجَنَى والثَّمْرَةِ، ومِنْه‏:‏

‏{‏تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ‏}‏ ‏[‏سورة إبراهيم‏:‏ 25‏]‏‏.‏

أي‏:‏ جناها، وقرأ أبو عمرو‏:‏ «أُكُلِ خُمْطٍ» بإضافةِ «أُكُل» إلى «خمط»‏.‏

وقولُه تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارةٌ إلى ما أجْرَاهُ عَلَيْهِم‏.‏

وقولُه‏:‏ «وهل يجازى»، أي‏:‏ يناقَشُ ويُقَارَضُ بمثلِ فعلهِ قَدْراً بقَدْرٍ، لأَنَّ جَزَاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هُو بِتَفَضُّلٍ وَتَضْعِيفٍ ثَوَابٍ، وَأَمَّا الَّذِي لاَ يُزَادِ وَلاَ يَنْقَضُ فَهُوَ الكَافِرُ، وقَرَأْ حمزةُ والكسائي‏:‏ «وهل نُجَازِي» بالنونِ وكَسْرِ الزَّايْ «الكفور» بالنصْبِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 19‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ ‏(‏18‏)‏ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقولُه تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، هذه الآيةُ وَمَا بَعْدَهَا وَصْفُ حالِهم قَبْلَ مَجِيء السَّيْلِ، وَهِيَ أنَّ اللّهَ تَعَالَى مَعَ مَا كَانَ مَنَحَهُمْ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِّعْمَةِ الخَاصَّةِ بِهِمْ؛ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ لَهُمْ البِلاَدَ المُتَّصِلَةَ؛ وَعَمَّرَها وجَعَلَهُمْ أَرْبَابَها؛ وقدَّرَ السَّيرَ بأنْ قَرَّبَ القُرَى بَعْضَها مِن بَعْضٍ؛ حَتَّى كَانَ المسَافِر من مَأْرِبَ إلَى الشَّامِ يَبِيتُ فِي قَرْيَةٍ وَيقِيلُ فِي قَريَةٍ فَلاَ يُحْتَاجُ إلى حَمْلِ زَادٍ، و‏{‏القرى‏}‏‏:‏ المُدُنُ، والقُرَى التي بُورِكَ فِيها‏:‏ هِي بِلادُ الشَّامِ بإجْماع المفسِّرِين، والقُرَى الظَّاهِرَة‏:‏ هِي الَّتِي بَيْنَ الشَّامِ وَمَأْرِبَ وهِي اسم بَلَدِهِمْ‏.‏

قال ابن عباس وغيره‏:‏ هي قُرى عَرَبيَّةٌ بَيْنَ المدِينةِ والشَّام واختلف فِي مَعْنَى ‏{‏ظاهرة‏}‏ فَقَالَت فِرقَة‏:‏ معناه‏:‏ مُسْتَعْلِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ فِي الآكَامِ وَهِيَ أشْرَفُ القُرَى، وَقَالَتْ فِرقَةُ‏:‏ معناه‏:‏ يَظْهَرُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْض؛ فَهِي أبَداً فِي قَبْضَةِ عَيْنِ المُسَافِرِ؛ لاَ يَخْلُو عَنْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنْهَا‏.‏

قَال * ع *‏:‏ والذي يَظْهرُ لي أَنَّ معنى ‏{‏ظاهرة‏}‏ خَارِجَةٌ عَنِ المُدنِ فَهِي عِبَارَة عَنِ القُرَى الصِّغَارِ الَّتِي هِي فِي ظَوَاهِرِ المُدُنِ؛ واللّه أعلَم، و‏{‏ءَامِنِينَ‏}‏، أي‏:‏ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ السَّفَرِ، ثم حَكَى سُبْحانه عَنْهُمْ مقالةً قَالُوهَا عَلَى جِهَة البَطَرِ والأَشَرِ؛ وهِيَ طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأَسْفَارِ كَأَنَّهُمْ مَلُّوا النِّعْمَةَ فِي القُرْبِ وَطَلَبُوا اسْتِبْدَالَ الَّذِي هُو أَدْنَى بالّذِي هُو خَيْرٌ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَفَرَّقَ اللّه شَمْلَهُمْ وخَرَّبَ بِلادَهُمْ وجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ؛ وَمِنِه المثَلُ السَّائِرُ «تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَا وأيْدي سَبَا» يُقَالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ؛ وهَذَا هُو تَمْزِيقُهمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ؛ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةُ قَبَائِلَ، وَتَشَاءَمَتْ مِنْهُمْ أرْبَعَةٌ حَسْبَمَا فِي الحديثِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتَهُ عَلى جِهة التَنْبِيهِ؛ بَأَنَّ هَذَا القَصَصَ فِيه آياتٌ وَعِبَرٌ مُؤُمِنٍ مُتَّصَفٍ بالصَّبْرِ والشُّكْرِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 24‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏20‏)‏ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏21‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏(‏23‏)‏ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قَرَأَ نَافِعُ وأَبُو عمرِو وابن عَامِرٍ‏:‏ «ولقد صَدَقَ» بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسائيِّ‏:‏ «صَدَّقَ» بِتَشْدِيدِها؛ فالظَّن عَلى هذِهِ القِرَاءَةِ مَفْعُولُ «بَصدَّقَ» ومَعْنَى الآية‏:‏ أَنَّ إبْلِيسَ ظَنَّ فِيهمْ ظَنّاً حَيْثُ قَالَ‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وغَيْرَ ذلك فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فِيهمْ؛ وأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ اتَّبَعُوهُ وهُو اتِّبَاعٌ فِي كُفْرٍ لأَنَّهُ فِي قِصَّة قَوْمٍ كُفَّارٍ‏.‏

وقولُه‏:‏ ‏{‏مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ» يَدُلّ عَلى ذَلكَ و«مِنْ» فِي قوله‏:‏ ‏{‏مِّنَ المؤمنين‏}‏ لبيَانِ الجِنْسِ لاَ لِلتَّبْعِيضِ‏.‏

وَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏ومَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سلطان‏}‏‏.‏ أي‏:‏ مِنْ حُجَّةٍ، قال الحسنُ‏:‏ واللّهِ مَا كَانَ لهُ سَيفٌ وَلاَ سَوْطٌ وَلَكِنَّهُ اسْتَمَالَهُمْ فَمَالُوا بِتَزْيِيْنِهِ‏.‏

وقولُه تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله‏}‏ يريدُ‏:‏ الأصْنَامَ والملائِكَةَ؛ وذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الملائِكَةَ؛ وَهَذِهِ آيَةٌ تَعْجِيزٍ وَإقَامَةِ حُجَّةٍ؛ ويروى أَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أَصَابَت قُرَيشاً، ثُمَّ جَاءَ بصِفة هؤلاَءِ الذين يَدْعُونهم آلِهَةً أنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ مُلْكَ اخْتِرَاعٍ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ؛ وأنَّهُمْ لاَ شِرْكَ لَهُمْ فِيهِمَا، وهذَانِ نَوْعَا المُلْكِ‏:‏ إمَّا اسْتِبْدَادٌ وَإمَّا مُشَارَكَةٌ؛ فَنَفَى جَمِيعَ ذَلِكَ وَنَفَى أنْ يَكُونَ مِنْهُم لِلَّهِ تعالى مُعِينٌ فِي شَيْءٌ، و«الظَّهِيرُ»‏:‏ المُعينُ، ثُمَّ قَرَّرَ فِي الآيةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يْشْعَفُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللّهِ؛ لاَ تَصِحُّ مِنْهُمْ شَفَاعَةٌ لَهُمْ إذْ هَؤلاءِ كَفَرَةٌ وَلاَ يأْذَنُ اللّهُ فِي الشَّفَاعَةِ فِي كَافِرٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكسائي وأبُو عَمْرٍو و«أُذِنَ» بِضَمِّ الهَمْزَةِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ، الضَّميرُ في ‏{‏قُلُوبِهِمْ‏}‏ عَائِدٌ عَلَى الملائِكَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ آلِهَةً‏.‏

قال * ع *‏:‏ وَتَظَاهَرَتْ الأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هَذِهِ الآية أَعْنِي قوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إنَّما هِي فِي المَلاَئِكَةِ؛ إذَا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلَى جِبْرِيلَ، أو الأمْرَ يَأْمُرُ اللّهُ بِهِ سَمِعَتْ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفْوَانِ، فَتَفْزَعُ عِنْد ذَلِكَ تَعْظِيماً وَهَيْبَةً لِلَّهِ تَبَارَكَ وتعالى وقِيل‏:‏ خَوْفاً أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ؛ فَإذَا فَرَغَ ذَلِكَ، فُزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِم، أي‏:‏ أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهَا وَكُشِفَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَلِجِبْرِيلَ‏:‏ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ‏؟‏ فَيَقُولُ المَسْؤُولُونَ‏:‏ قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ‏.‏

* ت *‏:‏ وَلَفْظُ الحديثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال‏:‏ ‏"‏ إذَا قَضَى اللّهُ أَمْراً فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً لِقَوْلِهِ‏:‏ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ على صَفْوَانٍ، فَإذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا‏:‏ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ‏؟‏ قَالُوا الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِير ‏"‏ انتهى‏.‏

وَقَرَأَ الجُمْهُورُ «فُزع» بِضَمِّ الفَاءِ وَمَعْنَاهُ أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهُمْ وَقَوْلُهُمْ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ العلي الكبير‏}‏ تَمْجِيدٌ وَتَحْمِيدٌ، ثُمَّ أَمَرَ اللّهُ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم عَلَى جِهَةِ الاحْتِجَاجِ وَإقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلى الرَّازِقِ لَهُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَنْ هُوَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقْتَضِبَ الاحْتِجَاجِ بِأَنْ يَأَتِيَ بِجَوَابِ السُّؤَالِ؛ إذْ هُمْ فَي بَهْتَةٍ وَوَجْمَةٍ مِنَ السُّؤالِ؛ وإذ لاَ جَوَابَ لَهُمْ إلاَّ أَنْ يَقُولُوا‏:‏ هُو اللّهُ، وهذهِ السَّبِيلُ في كلِّ سُؤَالِ جَوَابَهُ فِي غَايةِ الوُضُوحِ؛ لأَنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ وَيَتَجَاوَزَ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى بُورِدُها، وَنَظَائِرُهَا فِي القُرْآنِ كَثِيرٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ‏}‏ تلطفٌ فِي الدَّعْوَةِ والمُحَاوَرَةِ والمَعْنَى‏:‏ كَمَا تقولُ لِمَنْ خَالَفَكَ فِي مَسْأَلَةِ أَحَدَنَا مُخْطِئ تَثَبَّتْ وَتَنَبَّهُ؛ وَالمَفْهُومُ مِنْ كَلامِكَ أنّ مُخَالِفَكَ هُو المخطئ فَكَذلكَ هَذَا، مَعْنَاهُ‏:‏ وَإنا لَعَلَى هَدًى أو فِي ضَلالٍ مبِينٍ؛ وَإنَّكُمْ لَعَلَى هَدًى أوْ فِي ضَلاَلِ مُبِينٍ؛ فَتَنَبَّهُوا، وَالمَقْصِدُ أَنَّ الضَّلاَلَ فِي حَيِّزِهِم؛ وَحَذْفُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ لدَلاَلةِ البَاقِي عَلَيْهِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 30‏]‏

‏{‏قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ‏(‏26‏)‏ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏27‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏29‏)‏ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

وَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ تُسْئَلُونَ‏}‏ الآية مُهَادَنَةَ ومُتَارَكَةٌ مَنْسُوخَةٌ‏.‏

وَقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا‏}‏ إخْبَارٌ بِالبَعْثِ و‏{‏يَفْتَحُ‏}‏ مَعْنَاه‏:‏ يحكم‏:‏ والفَتَّاحُ‏:‏ القَاضِي، وهُو مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ اليَمَنِ و‏{‏أَرُونِي‏}‏‏:‏ هي رُؤْيَة قَلْبٍ، وهَذَا هُو الصَّحِيحُ، أي‏:‏ أَروني بالحُجَّةِ والدَّلِيلِ‏.‏

وقَوْلَهُ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ رَدُّ لِما تَقَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الإشْرَاكِ‏.‏

وَقَوْلُه تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ‏}‏ الآية‏:‏ إعْلاَمٌ مِنَ اللّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ بَعَثَ مْحَمَّداً صلى الله عليه وسلم إلَى جَمِيعِ العَالَمِ وَهِي إحْدَى خَصَائِصِهِ الَّتِي خُصَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأَنْبِياءِ وبَاقِي الآيةِ بَيِّن‏.‏

قال أبو عُبَيْدَةَ‏:‏ الوعدُ والوعيدُ والميْعَادُ‏:‏ بمعنًى؛ وخُولِفَ فِي هَذا، والذِي عليه الناسُ أنَّ الوَعْدُ إذَا أُطْلِقَ فَفِي الخَيْرِ؛ وَالوَعِيدُ فِي المَكْرُوهِ؛ والمِيْعَادِ يَقَعُ لهذا ولهذا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 33‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ‏(‏31‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ‏(‏32‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ هذه المقالةُ قَالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ وهي أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بالقُرْآنِ ولاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَكَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وإنَّمَا فَعَلُوا هَذَا لَمَّا وَقَعَ الاحْتِجَاجُ عَلَيْهِم بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلام‏.‏

قَالَ الوَاحِديُّ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول‏}‏، أي‏:‏ في التّلاَؤُم، انتهى‏.‏ وبَاقِي الآية بَيِّنٌ‏.‏ وَقَوْلَهُمْ‏:‏ ‏{‏بَلْ مَكْرُ الليل والنهار‏}‏، المعنى‏:‏ بَلْ كَفَرْنَا بمكْرِكُمْ بِنَا في الليل والنهارِ؛ وأَضَافَ المَكْرُ إلَى الليلِ والنهارِ مِنْ حَيْثُ هُو فِيهِمَا، وَلِتَدُلَّ هَذِهِ الإضَافَةَ عَلَى الدُّءُوبِ والدَّوَامِ، والضَّمِيرُ في ‏{‏أَسَرُّواْ‏}‏ عَامٌّ لِجمِيعهِم مِن المُسْتَضْعِفِينَ والمُسْتَكْبِرِينَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 37‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏34‏)‏ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏35‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون‏}‏ هذهِ الآيةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ فِعْلِ قُرَيْشٍ وَقَوْلِها، أي‏:‏ هَذِهِ يَا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ أَمْرُ قَوْمِكَ وَالْقَرْيَةُ‏:‏ المَدِينَةُ، والمُتْرَف‏:‏ الغَنِيُّ المُنْعَمُ القَلِيلُ تَعَب النَّفْسِ وَالبَدَنِ، فَعَادَتُهُمُ المبَادَرَةُ بالتَّكْذِيبِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي ‏{‏قَالُواْ‏}‏ عَلى المُتْرِفِينَ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقُرَيْشٍ، وَيَكُونُ كَلاَمُ المُتْرِفِينَ قَدْ تَمَّ قَبْلَهُ، وَفِي «صحيح مسلمٍ» عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَالَ‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللّهَ لاَ يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، ولكن يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ‏"‏ انتهى‏.‏

واعلم أَنَّ المَالَ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ صَاحِبُهُ مِنَ الآفَاتِ إلاَّ مَنْ عَصَمَه اللّه تَعالى، ‏{‏وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وَقَدْ جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ الأَكْثَرُونَ مَالاً هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا ‏"‏ وأَشَارَ ابنُ شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ اه‏.‏ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي «رَقَائِقِهِ» قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عَن عقَيْلٍ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ‏:‏ لَنْ يَنْجُوَ مِنِّي الغَنِيُّ مِنْ إحدى ثَلاثٍ‏:‏ إمَّا أنْ أُزَيِّنَ مَالَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ؛ وَإمَّا أنْ أُسَهِّلَ لَهُ سَبِيلَهُ فَيُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ؛ وَإمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ فَيَكْسِبَهُ بِغَيْرِ حَقِّه ‏"‏؛ انتهى‏.‏ و«الزّلْفَى»‏:‏ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى القُرْبِ‏.‏

وقَوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ‏}‏ اسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعَ، وَقَرَأَ الجُمْهُورُ‏:‏ «جزاء الضعف»، بِالإضَافَةِ و‏{‏الضعف‏}‏‏:‏ هُنَا اسْمُ جِنْسٍ، أي‏:‏ بالتَّضْعِيفِ، إذْ بَعْضُهُم يُجَازَى إلَى عَشَرَةٍ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ صاعداً إلى سَبْعِ مِائَةٍ بِحَسْبِ الأَعْمَالِ وَمَشِيئَةِ اللّهِ فِيها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 43‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ‏(‏38‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏39‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏40‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ‏(‏41‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏42‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏43‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يَسْعَوْنَ فِي ءاياتنا معاجزين‏}‏ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهْ و‏{‏مُحْضَرُونَ‏}‏ من الإحْضَارِ والإِعْدَادِ، ثُمَّ كَرَّرَ القَوْلَ بِبَسْطِ الرِّزْقِ لاَ عَلَى المَعْنَى الأَوَّلِ؛ بَلْ هَذَا هُنَا عَلَى جِهَة الوَعْظِ، والتَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا، والحَضِّ عَلَى النَّفَقَةِ في الطَّاعَاتِ، ثُمَّ وَعَدَ بِالخَلَفِ فِي ذَلِكَ‏.‏ إِمَّا فِي الدنيا، إِمَّا فِي الآخِرَةِ، وفي «البُخارِي» أنَّ مَلَكاً يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ‏:‏ اللَّهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ مَلَكٌ آخَرُ‏:‏ اللَّهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً‏.‏ وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْصَارِي‏:‏ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ ثَلاَثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فاحفظوه، قال‏:‏ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إلاَّ زَادَهُ اللّهُ عِزّاً، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَة إلاَّ فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، أو كَلِمَةً نَحْوَهَا ‏"‏ الحديثَ، قَالَ أَبُو عِيسَى‏:‏ هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انتهى‏.‏ وَقَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ‏}‏ الآية تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهَا مُكَرَّراً، وفِي القُرْآنِ آيَاتٌ يَظْهَرُ مِنْها أَنَّ الجِنَّ عَبَدَتْ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ وغيرها؛ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ أي‏:‏ يُقَال لِمَنْ عَبَدَ وَمَنْ عَبَدَ‏:‏ «اليَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً ولاَ ضَرّاً»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 46‏]‏

‏{‏وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ‏(‏44‏)‏ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏45‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ‏(‏46‏)‏‏}‏

وقولهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَآ ءاتيناهم مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية المعنى‏:‏ أنَّ هَؤلاَءِ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ بِآرَائِهِمْ فِي كِتَابِ اللّهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ‏:‏ سِحْرٌ، وَبَعْضُهُمْ‏:‏ افْتِرَاءٌ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ تَسَوُّرٌ لاَ يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلَى أَثَارَةِ عِلْمٍ؛ فَإنَّا مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونُها؛ وَمَا أرْسَلْنَا إلَيهم قَبْلَكَ مِن نديرٍ يُبَاشِرُهُمْ ويُشَافِهُهُمْ فَيُمْكِنَهُمْ أَنْ يُسْنِدُوا دَعْوَاهُمْ إلَيْهِ‏.‏

وقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتيناهم‏}‏ الضَّمِيرُ في‏:‏ ‏{‏بَلَغُواْ‏}‏ يَعُودُ عَلى قُرَيْشٍ، وفِي آتَيْنَاهُمْ عَلَى الأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَالمَعْنَى‏:‏ مِن القُوَّةِ والنِّعَمِ والظُّهُورِ في الدُّنْيَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وابْنُ زَيْدٍ‏:‏ والمِعْشَارُ‏:‏ العُشْرُ وَلَمْ يأتِ هَذا البِنَاءُ إلاَّ فِي العَشَرَةِ والأَرْبَعَةِ، فَقَالُوا‏:‏ مِرْبَاعٌ وَمِعْشَارٌ؛ و«النَّكِيرُ» مَصْدَرٌ كَالإنْكَارِ فِي المَعْنَى، وكَالعَزيز فِي الوَزْنِ، و‏{‏كَيْفَ‏}‏‏:‏ تَعْظِيمٌ لِلأَمْرِ وَلَيْسَتْ اسْتِفْهَاماً مُجَرَّداً؛ وَفِي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أي‏:‏ أنهم مُتَعَرِّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ، ثُمَّ أمرَ تَعَالَى نَبِيُّهُ عليه السلام أنْ يَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ تَعَالَى وَالنَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، وَيَعِظُهُمْ بَأَمْرٍ مُقَرَّبٍ لِلأَفْهَامِ، فَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏بواحدة‏}‏ معناه‏:‏ بِقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إيجَازاً لَكُمْ وَتَقْرِيباً عَلَيْكُمْ وَهُوَ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ، أي‏:‏ لأَجلِ اللّهِ أو لِوَجْهِ اللّهِ مَثْنَى أي‏:‏ اثنين اثنين مُتَنَاظِرَيْنِ وفُرَادَى، أي‏:‏ وَاحِداً وَاحِداً، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، هَلْ بِصَاحِبِكُمْ، جِنَّةُ أو هُوَ بَرِيءٌ، مِنْ ذَلِكٍ، والوَقْفُ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ ‏{‏تَتَفَكَّرُواْ‏}‏ فَيَجِيء‏:‏ ‏{‏مَا بِصَاحِبِكُم‏}‏ نَفْياً مُسْتَأْنِفاً، وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيهِ جَوَابُ مَا تَنَزَّلُ مَنْزِلَة القَسَمِ؛ وَقيلَ فِي الآيةِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا هُو بَعِيدٌ مِنَ أَلْفَاظِهَا فَتَعَيَّنَ تَرْكُهُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 50‏]‏

‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏47‏)‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏48‏)‏ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ‏(‏49‏)‏ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ‏(‏50‏)‏‏}‏

وقَوْلُهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‏}‏ مَعْنَى الآية بَيِّنٌ وَاضِح لاَ يَفْتَقِرُ إلَى بَيَانٍ‏.‏

وَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏يَقْذِفُ بالحق‏}‏ يريدُ بالوَحْي وَآياتِ القُرآنِ وَاسْتَعَارَ لَه القَذْفَ مِنْ حَيْثُ كَانَ الكُفَّارُ يَرمُوْنَ بآياته وَحِكَمِهِ‏.‏

وَقَوْلهُ سُبْحَانَه‏:‏ ‏{‏قُلْ جَاءَ الحق‏}‏ يُرِيدُ الشَّرْعَ بِجُمْلَتِهِ، ‏{‏وَمَا يُبْدِئُ الباطل وَمَا يُعِيدُ‏}‏ قَالَتْ فِرْقَةٌ‏:‏ البَاطِلُ غَيْرُ الحَقِّ مِنَ الكَذِبِ وَالكُفْرِ وَنَحْوِه، اسْتَعَارَ لَهُ الإبْدَاءَ وَالإعَادَةَ وَنَفَاهُمَا عَنْه، كَأَنَّهُ قَالَ‏:‏ وَمَا يَصْنَعُ البَاطِلُ شَيْئاً‏.‏

وَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏فَبِمَا يُوحِي‏}‏ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي أو مَصْدَرِيَّةٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 54‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏51‏)‏ وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏52‏)‏ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏53‏)‏ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ‏(‏54‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قَالَ الحَسَنُ بن أبِي الحَسَنِ‏:‏ ذَلِكَ فِي الكُفَّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ فِي القِيَامَةِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وَهُوَ أرْجَحُ الأَقْوَالِ هُمَا، وَأَمَّا معنى الآيَةِ فَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنْ حَالِهِمْ إذَا فَزِعُوا مِنْ أخْذِ اللّهِ إيَّاهُمْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ لَهُمْ أَنْ يَفُوتَ مِنْهُمْ أَحَد ‏{‏وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ‏}‏، أي‏:‏ أنَّ الأَخْذَ يَجِيئُهُمْ مِنْ قُرْبٍ فِي طُمَأْنِينَتِهِمْ وَيعَقِبَهَما، بَيْنَمَا الكَافِرُ يُؤَمَّلُ ويُتَرَجَّى إذْ غَشِيَهُ الأَخْذُ، وَمَنْ غَشِيَهُ أُخِذَ مِنْ قَرِيبٍ؛ فَلاَ حِيلةَ لَهُ وَلاَ رَوِيَّةَ، و‏{‏قالوا آمَنَّا بِهِ‏}‏ الضَّمِيرُ في ‏{‏بِهِ‏}‏ عَائِدٌ عَلى اللّهِ تعالى، وَقِيلَ‏:‏ عَلى محمدٍ وَشَرْعِه والقُرْآنِ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَامَّةُ القُرّاءَ‏:‏ «التناوش» دُونَ هَمْزٍ وَمَعْنَاهُ التَّنَاوُلِ، مِن قَوْلِهِمْ نَاشَ يَنُوشُ إذَا تَنَاوَلَ، وَعِبَارَةَ الوَاحِدِيِّ ‏{‏وأنى لَهُمُ التناوش‏}‏ أي‏:‏ كَيْفَ يَتَنَاوَلُونَ التَّوْبَةَ وَقَدْ بَعُدَتْ عَنْهُمْ‏.‏ انتهى‏.‏

وقَرَأ أبُو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ «التناؤش» بِالهَمْزِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُه كَالْقِرَاءَةِ الأَولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّلَبِ؛ تَقُولُ‏:‏ انْتَأَشْتُ الخَيْرَ إذَا طَلَبْته مِنْ بُعْدٍ‏.‏

* ت *‏:‏ وَقَالَ البُخَارِيُّ‏:‏ التَّنَاوُشُ الرَّدُّ مِنَ الآخِرَة إلَى الدُّنْيَا، انتهى‏.‏

‏{‏وَيَقْذِفُونَ بالغيب‏}‏ أي‏:‏ يَرْجُمُوْنَ بِظُنُونِهِمْ وَيَرْمُوْنَ بِهَا الرَّسُولَ وَكِتَابَ اللّهِ، وَذَلِكَ غَيْبٌ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ سِحْرٌ وَافْتِرَاءٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، قَالَه مُجَاهِدٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ‏:‏ قَدْفُهُمْ بِالْغَيْبِ هُوَ قَوْلُهُمْ لاَ بَعَثٌ وَلاَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ‏.‏

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَه‏:‏ ‏{‏وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ‏}‏‏.‏

قَالَ الحَسَنُ‏:‏ مَعْنَاهُ مِنَ الإيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى الإنَابَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَذَلِكَ أنَّهُمْ اشْتَهَوْهُ فِي وَقْتٍ لاَ تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ وَقَالَهُ أَيْضاً قَتَادَةَ؛ وَقَالَ مُجَاهِدُ‏:‏ مَعْنَاه‏:‏ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَعِيمٍ الدُّنْيَا‏.‏

وَقِيلَ‏:‏ مَعَناهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا كَمَا فُعِلَ بَأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ، والأَشْيَاعُ الفِرَقُ المُتَشَابِهَةُ، أَشْيَاعُ هَؤُلاَءِهُمُ الكَفَرَةُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ‏.‏

* ص *‏:‏ قَالَ أَبُو حِيَّانٍ‏:‏ و‏{‏مُّرِيبٍ‏}‏ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرَابَ، أي‏:‏ أتى بِرَيْبَةٍ وَأَرْبَتُهُ وَأَوْقَعَتْهُ فِي رَيْبَةِ، وَنسْبَةُ الإرَابَةِ إلَى الشَّكِّ مَجَازٌ‏.‏

قَالَ * ع *‏:‏ والشَّكُّ المُرِيبُ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الشَّكِّ وَأَشَدُّهُ إظْلاَماً، انتهى‏.‏

سورة فاطر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏2‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏{‏رُسُلاً‏}‏ مَعْنَاهُ‏:‏ بِالْوَحْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوَامِرِهِ سُبْحَانَهُ، كَجُبْرِيلَ وَمِيكائيل رسلٌ، وَالمَلاَئكَةُ المُتَعَاقِبُونَ رُسُلٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، و‏{‏مثنى وثلاث ورباع‏}‏ أَلْفَاظٌ مَعْدُولَةٌ عَنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً عُدِلَتْ فِي حَالَةِ التَنْكيِرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالْعَدْلِ فَهِيَ لاَ تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ وَالتَّعْرِيفِ، وَقِيلَ‏:‏ لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ، وَفَائِدَةُ العَدْلِ الدِّلاَلَةُ عَلَى التَّكْرَارِ لأَنَّ مَثْنَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ‏:‏ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ‏.‏

قَالَ قَتَادَةَ‏:‏ إنَّ أَنْوَاعَ المَلاَئِكَةِ هُمُ هَكَذَا مِنْهَا مَا لَه جَنَاحَانِ؛ وَمِنْهَا مَالَه ثَلاَثَةٌ، وَمِنْهَا مَا لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَيَشُذُّ مِنْها مَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ‏:‏ أَنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ سِتَّ مِائَةَ جَنَاحٍ مِنْهَا اثْنَانِ يَبْلُغَانِ مِنَ المَشْرِقِ إلَى المَغْرِبِ‏.‏

وَقَوْلُه تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاءُ‏}‏ تَقْرِيرُ لِمَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنَ التَّعَجُّبِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلاَئِكَةِ أُولِي الأَجْنِحَةِ، أي‏:‏ لَيْسَ هَذَا بِبِدْعِ فِي قُدْرَةِ اللّهِ تَعَالَى، فَإنَّهُ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ‏؟‏ وَرُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وابن شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالاَ‏:‏ المَزِيِدُ هُوَ حُسْنُ الصَّوْتِ، قَالَ الهَيْثَمُ الفَارِسِيُّ‏:‏ رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي‏:‏ أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللّهُ خَيْراً‏.‏

وَقِيلَ‏:‏ مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ‏.‏

وَقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مَّا يَفْتَحِ الله‏}‏ ‏{‏ما‏}‏ شَرْطٌ و‏{‏يُفْتَحْ‏}‏ مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِن رَّحْمَةِ‏}‏ عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ‏.‏

وَقَوْلُه‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي‏:‏ مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفُتُوحَاتِ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وَقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس‏}‏ خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ‏.‏

وَقَوْلهُ سُبْحَانَه‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا‏}‏‏.‏

* ت *‏:‏ هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللّهِ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ ‏"‏ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ‏:‏ ياأيها النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى ‏"‏ انتهى‏.‏ مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ‏:‏ «الغرور» بِفَتْحِ الغَيْنِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ‏.‏

وَقَوْلهُ‏:‏ ‏{‏إن الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ‏}‏ الآية يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ ‏{‏فاتخذوه عَدُوّاً‏}‏‏.‏ أي‏:‏ بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ لَه بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 10‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ‏(‏8‏)‏ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ‏(‏9‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وَقَوْلُهُ تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً‏}‏ تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كَمَنْ اهْتَدَى وَنَحْوَ هَذا مِنَ التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ؛ وقَرَأَ الجُمْهُورُ‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَذْهَبْ‏}‏ بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ‏:‏ ‏{‏نَّفْسَكَ‏}‏ بالرَّفْعِ، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «تُذْهِبْ» بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تَسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ‏.‏ وَقَوْلهُ سبحانه‏:‏ ‏{‏والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ‏}‏ هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ‏.‏

وَقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ العزة‏}‏ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ‏:‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ‏:‏ أي‏:‏ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ‏:‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 81‏]‏‏.‏

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ‏:‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نَيْلَهَا عَلَى وَجْهِهَا فَلِلَّهِ العِزَّةِ، أي‏:‏ بِهِ وَعَنْ أَوَامِرِه لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ قَتَادَةُ‏.‏

وَقَوْلهُ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب‏}‏ أي‏:‏ التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر اللّه ونحوه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعمل الصالح يَرْفَعُهُ‏}‏ قيل‏:‏ المعنى؛ يرفعه اللّه، وهذا أرجحُ الأقوال‏.‏

وقال ابن عباس وغيره‏:‏ إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه‏.‏

* ت *‏:‏ وعن ابن مسعودٍ؛ «قال‏:‏ إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب اللّه سبحانه؛ إن العبد إذا قال‏:‏ «سبحان اللّه والحمد للَّه واللّه أكبر وتبارك اللّه» قَبَضَ عليهن ملك؛ فضمَّهن تحت جَنَاحه؛ وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه‏.‏ ثم تلا عبد اللّه بن مسعود‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ‏}‏»‏.‏ رواه الحاكم في «المستدرك» وقال‏:‏ صحيح الإسناد‏:‏ انتهى من «السلاح»‏.‏ و‏{‏يَمْكُرُونَ السيئات‏}‏ أي‏:‏ المكرات السيئات‏.‏ و‏{‏يَبُورُ‏}‏ معناه‏:‏ يفسد ويبقى لا نفع فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 14‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏12‏)‏ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ‏(‏13‏)‏ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏}‏ الآية‏.‏ قيل‏:‏ معنى الأزواج هنا‏:‏ الأنواع، وقيل‏:‏ أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في ‏{‏عُمُرِهِ‏}‏ قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه أنه عائد على ‏{‏مُّعَمَّرٍ‏}‏ الذي ههو اسم جنس؛ والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره‏:‏ بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي‏:‏ ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول؛ فهذا هو النقص‏.‏

قال ابن جبير‏:‏ فما مضى من عمره؛ فهو النقص وما يستقبل؛ فهو الذي يعمره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ تقدم تفسير نظير هذه الآية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ الآية‏.‏ الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل‏:‏ آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير‏:‏ القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة‏.‏ وقال الضحاك وغيره‏:‏ القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة، والأول أشهرُ وأصوبُ‏.‏ ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ‏:‏ أوَّلُها‏:‏ أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني‏:‏ أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه؛ لأن القائل متعسف أن يقول‏:‏ عساها تسمع، والثالثُ‏:‏ أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏}‏ قال المفسرون‏:‏ الخبيرُ هنا هو اللّه سبحانه فهو الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا؛ فلا شك في وقوعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 18‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏15‏)‏ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏16‏)‏ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله‏}‏ الآية‏:‏ آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى اللّه تعالى في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها؛ لاَ يَسْتَغني عنه طرفةَ عَيْنٍ؛ وهو به مستغنٍ عن كل أحدٍ، ‏{‏والله هُوَ الغني الحميد‏}‏ أي‏:‏ المحمود بالإطلاق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِعَزِيزٍ‏}‏ أي‏:‏ بمُمْتَنِعٍ و‏{‏تَزِرُ‏}‏ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ ‏{‏وَازِرَةٌ‏}‏ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت ‏{‏مُثْقَلَةٌ‏}‏، واسم ‏{‏كَانَ‏}‏ مضمرٌ تقديره‏:‏ ولو كان الداعي‏.‏ ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ‏.‏ ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية‏.‏ ثم توعد بعد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وإلى الله المصير‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللّهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثَرَ منْه في مواضِعَ؛ بحَسْبِ تَقْصِيرنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 28‏]‏

‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ‏(‏19‏)‏ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ‏(‏20‏)‏ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ‏(‏21‏)‏ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ‏(‏22‏)‏ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ‏(‏23‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ‏(‏24‏)‏ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏26‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ‏(‏27‏)‏ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير‏}‏ الآية‏:‏ مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ؛ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ‏.‏ و‏{‏الحرور‏}‏‏:‏ شدة الحر‏.‏

قال الفراء وغيره‏:‏ إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار و‏{‏الحرور‏}‏ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار‏.‏ وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ؛ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور‏}‏ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين؛ في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور؛ فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم؛ فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ‏}‏ معناه‏:‏ أن دعوةَ اللّه تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ؛ فهو ممن بلغته؛ لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم و‏{‏البينات‏}‏ و‏{‏الزبر‏}‏ و‏{‏الكتاب المنير‏}‏‏:‏ شيء واحد؛ لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الجبال جُدَدٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ جمع «جُدَّة» وهي‏:‏ الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه‏:‏ أنه يقال‏:‏ جُدَدٌ في جمع «جديد»، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي‏:‏ وقيل الجُدَدَ القِطَع؛ جُدَدْتَ الشيء؛ إذا قطعتَه، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَغَرَابِيبُ سُودٌ‏}‏ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى؛ لكنَّ الكلامَ العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى‏:‏ ومنها، أي‏:‏ من الجبال؛ سودَ غرابيبُ، ورُوِي عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إنَّ اللّهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ ‏"‏؛ يعني‏:‏ الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ‏.‏ ‏{‏وَمِنَ الناس والدواب والأنعام‏}‏، أي‏:‏ مختلِفَ ألوانهُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين‏.‏ ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي؛ خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال‏:‏ كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك ‏{‏إنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماؤا‏}‏، أي‏:‏ المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ أشدُّكُم لَهُ خشية ‏"‏؛ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ اللّه ‏"‏‏.‏ وقال الرَّبِيع بن أنس‏:‏ مِنْ لم يخشَ اللّه فليسَ بعالمٍ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية‏:‏ كفى بالزهدِ عِلما، ويقال‏:‏ إن فاتحةَ الزَّبور؛ «رأس الحكمة خشيةُ اللّه»، وقال ابن مسعود‏:‏ كفى بخشيةِ اللّه علماً، وبالاغترارِ به جهلاً‏.‏

وقال مجاهد والشعبي‏:‏ إنما العالمَ مَنْ يخْشَى اللّهَ‏.‏ و‏{‏إِنَّمَا‏}‏ في هذه الآية تَخْصِيصٌ لِلعلمَاء؛ لاَ للحصر‏.‏ قال ابن عطاء اللّه في «الحِكم»‏:‏ العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه؛ والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ؛ وإلا؛ فَعَلَيْكَ‏.‏

وقال في «التنوير»‏:‏ اعلم أن العلمَ؛ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السنة؛ فإنما المرادُ به العلمْ النافعُ الذي تُقَارِنُه الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء‏}‏ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية‏.‏ انتهى‏.‏

قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم»‏:‏ واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف؛ إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ اللّه تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة» انتهى‏.‏ وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره؛ رضي اللّه عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم‏.‏

قال صاحب‏:‏ «الكلم الفارقية والحكم الحقيقية»‏:‏ العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك‏.‏ وقال رحمه اللّه‏:‏ العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ‏(‏29‏)‏ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ‏(‏30‏)‏ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رزقناهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال مطرف بن عبد اللّه بن الشخير‏:‏ هذه آية القُرَّاء‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا على أنْ ‏{‏يَتْلُونَ‏}‏ بمعنى‏:‏ يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى‏:‏ يتبعون صَحَّ معنى الآية؛ وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب اللّه هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي‏:‏ بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقاتِ ووجوهِ البرِّ و‏{‏لَّن تَبُورَ‏}‏ معناه‏:‏ لن تَكْسَدَ‏.‏ و‏{‏يَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ‏}‏ قالت فرقة‏:‏ هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة‏:‏ هو إما النظر إلى وجه اللّه عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم؛ كما قال‏:‏ ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 26‏]‏‏.‏

وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شَقِيقِ عن عبداللّه قال‏:‏ قال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ‏}‏ قال‏:‏ أجورهم‏:‏ يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله‏:‏ الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا‏.‏ وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك، قال‏:‏ قال رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يُصَفُّ النَّاسُ صُفُوفاً ‏"‏‏.‏ وقال ابن نُمير‏:‏ أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ‏:‏ يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً‏؟‏ قال‏:‏ فَسَيَشْفَعُ لَهُ‏.‏ وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ‏:‏ أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُوراً‏؟‏ فَيَشْفَعُ لَهْ»، قال ابن نُمَيْرٍ‏:‏ «وَيَقُولُ‏:‏ يَا فُلاَنٌ؛ أَما تَذْكُرُ يَوْمَ بعَثَتْنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ‏؟‏ فَيَشْفَعُ لَهُ»‏.‏ وخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التَّذْكِرَة»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 35‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ‏(‏32‏)‏ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ‏(‏33‏)‏ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ‏(‏34‏)‏ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ‏(‏35‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةُ‏:‏ ‏{‏أَوْرَثْنَا‏}‏ معناه‏:‏ أعطيناه فرقةً بعد، موتِ فرقةٍ و‏{‏الكتاب‏}‏ هنا يريد به‏:‏ معانيَ الكتابِ، وعلمَه، وأحكامَه، وعقائدَه، فكأن اللّهَ تعالى لمّا أعطى أمَة محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ؛ وهو قد تضمَّن معانيَ الكُتُبِ المنزَّلةِ قَبْلَه؛ فكأنه وَرَّثَ أمَّة محمد الكتابَ الذي كان في الأمم قبلَها‏.‏ قال ابْنُ عَطَاءَ اللّه في «التنوير»‏:‏ قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ رحمه اللّه تعالى‏:‏ أَكْرِمِ المؤمنين؛ وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم؛ لا تعزُّزاً عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي، لَطَبَّقَ السماءَ والأرض، فما ظنَّك بنورِ المؤمِن المطبعِ، ويكفيكَ في تعظيم المؤمنين وإن كانوا عن اللّه غافلينَ قولُ ربِّ العالمينَ‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله‏}‏ فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاءَ مع وجود ظلمِهم، واعلم أنّه لا بد في مملكتِه من عبادٍ هُمْ نصيبُ الحِلْم، ومحلُّ ظهورِ الرحمةِ والمغفرةِ، ووقوعِ الشفاعةِ، انتهى‏.‏ و‏{‏الذين اصطفينا‏}‏ يريد بهم أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قاله ابن عباس وغيره‏.‏ و‏{‏اصطفينا‏}‏ معناه‏:‏ اخترنا وفضَّلنا، والعبادُ عامُّ في جميع العَالم، واخْتُلِفَ في عَوْدِ الضمير من قوله‏:‏ ‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏ فقال ابن عباس وغيره؛ ما مقتضاه‏:‏ أن الضمير عائدٌ على ‏{‏الذين اصطفينا‏}‏ وإن الأصنَافَ الثلاثةَ هِي كلُّها فِي أمة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فالظالمُ لنفسِه‏:‏ العاصي المسرفُ، والمقتصدُ‏:‏ متقي الكبائرِ، وَهُمْ جمهور الأمَّة، والسَّابق‏:‏ المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة‏:‏ الأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري والضمير في ‏{‏يَدْخُلُونَهَا‏}‏ عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة رضي اللّه عنها وكعب رضي اللّه عنه‏:‏ دخلوها كلُّهمْ ورَبِّ الكَعْبَة وقال أبو إسحاق السبيعي‏:‏ أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلُّهم ناجٍ‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ هذه الأمة يوم القيامة أثلاث‏:‏ ثلثٌ‏:‏ يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث‏:‏ يحاسبون حساباً يسيراً؛ ثم يدخلون الجنة، وثلث‏:‏ يجيئون بذنوب عظام؛ فيقولُ اللّهُ عز وجل‏:‏ ما هؤلاء‏؟‏ وهو أعلم بهم فتقول الملائكة‏:‏ هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا؛ فيقول عز وجل أدخلوهم في سعة رحمتي‏.‏ وروى أسامة بن زيد أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هذه الآيَةَ وَقَالَ‏:‏ ‏"‏ كُلُّهُمْ في الجَنَّةِ ‏"‏ وقرأ عُمَرُ هذه الآية، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏"‏ سابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُور له ‏"‏؛ وقال عكرمة والحسن وقتادة؛ ما مقتضاه‏:‏ أن الضمير في ‏{‏مِنْهُم‏}‏ عائدٌ على العباد فالظَّالِم لنفسه‏:‏ الكافرُ، والمقتصد‏:‏ المؤمن العاصي، والسابق‏:‏ التقي على الإطلاق‏.‏ وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 7‏]‏ الآية‏.‏

والضمير في ‏{‏يَدْخُلُونَهَا‏}‏ على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابقِ، وباقي الآية بيِّن، و‏{‏الحزن‏}‏ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ‏}‏ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره‏.‏ لا ربَّ سواه، و‏{‏دَارَ المقامة‏}‏‏:‏ الجنة، و‏{‏المقامة‏}‏‏:‏ الإقامةُ و«النَّصَبُ»‏:‏ تعب البَدَنِ و«اللغوب»‏:‏ تَعَبُ النَّفْسِ اللازمُ عن تعبِ البَدَنِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 41‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ‏(‏36‏)‏ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ‏(‏37‏)‏ إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏38‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏39‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ‏(‏40‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏41‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ‏}‏ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذِكْرَ الكافرين أُفْرِدَ ها هنا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يقضى عَلَيْهِمْ‏}‏ أي لا يُجْهَزُ عليهم‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا أَخْرِجْنَا‏}‏ أي‏:‏ يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ‏}‏ الآية‏.‏ واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر‏.‏ وقال ابن عباس أربعون سنة؛ وهذا قول حسن؛ ورويت فيه آثارُ‏.‏ ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب؛ مسح الشيطانُ على وجهه، وقال‏:‏ بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل‏:‏ الستين وفيه حديث‏.‏

* ت *‏:‏ وفي البخاري‏:‏ من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ اللّه إليه؛ لقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير‏}‏ يعني‏:‏ الشيب‏.‏ ثم أسْنَد عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أَعْذَرَ اللَّهُ امرأ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتى بَلَغَ سِتِّين سنةٍ ‏"‏ انتهى‏.‏ و‏{‏النذير‏}‏ في قول الجمهور‏:‏ الأنبياء‏.‏ قال الطبري‏:‏ وقيل‏:‏ النذيرُ‏:‏ الشيبُ، وهذا أيضاً قول حَسَنٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏}‏ أي وَبَالُ كفرِه و«المقت»‏:‏ احتقارك الإنسَانَ مِن أجْلِ مَعْصِيَتهِ، والخَسَارُ‏:‏ مُصَدَرُ خَسِرَ يَخْسَرُ، و‏{‏أَرَءَيْتُم‏}‏، تتنزل عند سيبويه منزلةَ أخبروني، ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، والرؤية في قوله ‏{‏أَرُونِي‏}‏ رؤيةُ بَصر‏.‏

* ت *‏:‏ قال ابن هشام‏:‏ قوله ‏{‏مِنَ الأرض‏}‏، «من»‏:‏ مرادفة «في»‏.‏ ثم قال‏:‏ والظاهرَ أنَّها لبيان الجِنْسِ، مثلها‏:‏ ‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 106‏]‏ الآية‏.‏ انتهى‏.‏ ثم أضْرَبَ سبحانه عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ إِن يَعِدُ‏}‏ أي‏:‏ بل إنما يعدون أنفسهم غروراً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَن تَزُولاَ‏}‏ أي‏:‏ لئلا تزولا ومعنى الزوال هنا‏:‏ التنقلُ من مكانها، والسُّقُوطُ من عُلُوَّهَا‏.‏ وعن ابن مسعودٍ أن السَّماءَ لا تدورُ وإنما تَجْرِي فيها الكواكبُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِن زَالَتَا‏}‏ قيل‏:‏ أراد يوم القيامة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ‏}‏ أي‏:‏ من بعد تركه الإمساك‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏إِن أَمْسَكَهُمَا‏}‏‏:‏ أن‏:‏ نافية بمعنى، ما وأمسَك‏:‏ جواب القسم المقدَّرِ قبل اللام الموطئة في ‏{‏لَئِنْ‏}‏، وهو بمعنى‏:‏ يمسك؛ لدخول أن الشرطية؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 145‏]‏ أي‏:‏ ما يتبعون وكقوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا‏}‏ إلى قَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 51‏]‏ أي‏:‏ لَيَظُلْونَ، وحذف جواب إن في هذه المواضع لدلالةِ جوابِ القَسَمِ عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْ إِحْدَى‏}‏ ‏{‏مِن‏}‏‏:‏ زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 45‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏42‏)‏ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ‏(‏43‏)‏ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ‏(‏44‏)‏ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ‏(‏45‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقْسَمُواْ بالله‏}‏ يعني‏:‏ قريشاً ‏{‏لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم‏}‏ وذلك أَنه رُوِي‏:‏ أن كُفَّارَ قريش كانت قبل الإسلام تنكر على اليهود والنصارى، وتَأْخُذُ عليهم في تكذيب بعضهم بعضاً وتقول‏:‏ لو جاءنا نحنُ رَسُوْلٌ لكنا أهدى من هؤلاءِ، و‏{‏إِحْدَى الأمم‏}‏‏:‏ يُريدونَ‏:‏ اليهود والنصارى، ‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ‏}‏ وهو‏:‏ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ‏{‏مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً‏}‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ و«مَكْرًا سَيِّئاً»، و‏{‏يَحِيقُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يحيط ويحل وينزل ولا يستعملُ إلا في المكروه و‏{‏يَنظُرُونَ‏}‏ معناهُ‏:‏ ينتظرون والسنة‏:‏ الطريقةُ والعادَةُ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً‏}‏ أي‏:‏ لتعذيبه الكفرة المكذبين وفي هذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض‏}‏ لمَّا توعدهم سبحانه بسنةِ الأولين وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره؛ كديارِ ثمودَ ونحوِها، و«يعجُزه»‏:‏ معناه‏:‏ يفوته ويفلته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ‏}‏ الآية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مِن دَابَّةٍ‏}‏‏:‏ مبالغة، والمراد‏:‏ بنو آدم؛ لأنهم المُجَاوَزْنَ، وقيل‏:‏ المراد الإنس والجن، وقيل‏:‏ المُرادُ‏:‏ كُل ما دبَّ من الحيوانِ وأكثرُهُ إنما هو لِمَنْفَعَةِ ابن آدَم، وبسببه، والضمير في‏:‏ ‏{‏ظَهْرِهَا‏}‏ عائدٌ على الأرض والأجل المسمى القيامة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً‏}‏‏:‏ وعيدٌ وفيه للمتقين وعدٌ وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً والحمد للَّه على ما أنعم به‏.‏